ابن تيمية
132
مجموعة الرسائل والمسائل
فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلاً للفطرة ، لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع - وهو الذل والسكون - لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله ، بل يناسب حاله الإطراق وغض البصر أمامه . وليس نهي المصلي عن رفع بصره في الصلاة رداً على أهل الإثبات الذي يقولون أنه على العرش كما يظنه بعض جهال الجهمية ، فإن الجهمية عندهم لا فرق بين العرش وقعر البحر فالجميع سواء . ولو كان كذلك لم ينه عن رفع البصر إلى جهة ويؤمر برده إلى أخرى لأن هذه وهذه عند الجهمية سواء . وأيضاً فلو كان الأمر كذلك لكان النهي عن رفع البصر شاملاً لجميع أحوال العبد . وقد قال تعالى ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) فليس العبد بمنهي عن رفع بصره مطلقاً ، وإنما نهي في الوقت الذي يؤمر فيه بالخشوع لأن خفض البصر من تمام الخشوع ، كما قال تعالى ( خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث ) وقال تعالى ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي ) . وأيضاً فلو كان النهي عن رفع البصر إلى السماء وليس في السماء إله لكان لا فرق بين رفعه إلى السماء ورده إلى جميع الجهات . ولو كان مقصوده أن ينهى الناس أن يعتقدوا أن الله في السماء أو يقصدوا بقلوبهم التوجه إلى العلو لبين لهم ذلك كما بين لهم سائر الأحكام ، فكيف وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في قول سلف الأمة حرف واحد يذكر فيه أنه ليس الله فوق العرش ، أو أنه ليس فوق السماء ، أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه ، ولا محايث له ، ولا مبين له ، أو أنه لا يقصد العبد إذا دعاه العلو دون سائر الجهات ؟ بل جميع ما يقوله الجهمية من النفي ويزعمون أنه الحق ليس معهم به حرف من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل الكتاب والسنة وأقوال السلف والأئمة مملوءة بما يدل على نقض قولهم ، وهم يقولون أن ظاهر ذلك كفر فنؤول أو نفوض .